العلماء يُصنعوا لا يولَدوا – مدونة خوجة

 

leadership

بقلم ساجدة ممدوح

لا ألبث عند رؤيتي لأي طفل حتى أرى فيه/فيها حباً وشغفاً بالتجربة والاستكشاف. في الأغلب يكون أولئك الأطفال في عمر ما قبل المدرسة على الأقل، أو عمر ما قبل المراهقة على الأكثر. مما يعني أن المدرسة؛ كونها العامل الدخيل حديثاً لحياة الطفل، والأكثر تأثيراً أيضاً كونه يمضي معظم يومه بها، هي ما يؤثر على نزعتي الاستكشاف والإصرار لدى الطفل في مجال العلوم والرياضيات. يتفادى المراهقون التوغل في مواد دراسية مرتبطة بالعلوم والرياضيات، بل لا يستسيغها نسبة لا بأس بها منهم؛ ظناً منهم أن تلك المواد الدراسية بحاجة إلى أن يكون المرء موهوباً منذ الميلاد أو إلى قدرات عقلية عالية. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل قد يتطور ذلك إلى استبعاد هذا الفرع –الأساسي في رأيي- من التعليم من اختيارات التعليم الجامعي مستقبلياً. في الحقيقة قد يكون هذا أيضاً بسبب أفكار مجتمعية بالية تدعو هؤلاء المراهقين إلى الشعور بالتهديد، نتيجة لوضع صورة خيالية وغير واقعية للأشخاص الذين يختارون العلوم أو الرياضيات كمجال للدراسة الجامعية والعمل. هذه الصورة تطارد حتى من اختار دراسة العلوم أوالرياضيات في الجامعة، مما يدفع بعض الطلاب إلى هجر هذه المجالات سواء أكاديمياً أو عملياً.  باختصار، يفقد المراهقون الدافعية لتعلم العلوم والرياضيات.

بالرغم من اختلاف علماء النفس في تعريف الدافعية، فجميعهم اتفقوا على جوهرها؛ السبب الذي يدفع المرء على اختيار فعل معين دون الآخر بنشاط وحماس كبير أو بتكرر ملحوظ. بالتالي، فالدافعية أساسية لعملية التعلم الناجحة وأداء الطلاب. ترتبط الدافعية بكيف يعزي المرء النجاح والفشل. إذا اعتقد شخص بحتمية الفشل في الحصول على نتيجة معينة، فمن المستبعد أن يكون لديه إصرار وأن يستثمر كل جهده في المحاولة. إن الصعوبة في تعلم العلوم والرياضيات التي يواجهها الطلاب قد تشجع الاعتقاد بضرورة وجود موهبة استثنائية حينما لا يأتي الجهد المبذول بنتيجة فورية. يمكن حل هذه الاعتقادات، وفقاً لدراسة ميدانية تمت في جامعة كولومبيا، عن طريق سرد قصص عن صراعات واجهها العلماء في عصرهم بدلاً من الحديث  الدائم عن إنجازاتهم. فذلك يعطي للعلماء صورة إنسانية لأنهم مروا بصراعات فكرية أومجتمعية، مما يجعل من السهل الشعور بالصلة بهم. فما الفائدة من محاولة إعطاء أمثلة يُحتذى بها إذا لم نذكر المصاعب التي واجهوها قبل أن نذكر الإنجازات؟ تلك الصراعات والمصاعب تخطاها أولئك العلماء عن طريق الإصرار والمحاولة مرة أخرى بعد فشل المحاولات السابقة.

فقد أوضحت تلك الدراسة أن الأداء المتدني لبعض الطلاب في العلوم والرياضيات، تحسن بعد سماعهم عن تلك القصص، سواء كانت تلك الصراعات مجتمعية وحياتية، أو فكرية وعلمية. تم وضع ثلاث حالات/قصص عن العلماء، ولنقل على سبيل المثال “آينشتاين”، الحالة الأولى هي قصة النجاح (ق.ن.) والحالة الثانية هي قصة الصراع الفكري (ق.ص.ف.) والحالة الثالثة هي قصة الصراعات الحياتية (ق.ص.ح.)، وتم طرح كل حالة على مجموعة من طلاب المرحلة الثانوية، المجموعة الأولى هي (ق.ن.) مكونة من مائة وخمسة وثلاثين طالب، والمجموعة الثانية هي (ق.ص.ف.) مكونة من مائة وواحد وثلاثين طالب، والمجموعة الثالثة هي (ق.ص.ح.) مكونة من مائة وستة وثلاثين طالب، من الجنسين. كانت النتائج من حيث الأداء في مواد العلوم بالنسبة للمجموعة (ق.ن.) تحدر من 0.22 إلى 0.08، وللمجموعة (ق.ص.ف.) ارتفع من 0.04 إلى 0.12، وللمجموعة (ق.ص.ح.) ارتفع من 0.13 إلى 0.17. مما يدل أن تلك القصص وإن لم تؤثر على اعتقادات الطلاب الدائمة بشكل ما، فهي قد أثرت على الأقل على تصرفاتهم وسلوكهم، فبدلاً من النظر إلى الصعوبات التي يواجهونها على أنها دليل على عدم الكفاءة وبالتالي دعوة لتجنب بذل مجهود مرة أخرى –ما يسمى بالعقلية الراكدة- يتم النظر إليها على أنها فرصة لمحاولة التعلم مرة أخرى وبذل مجهود أكبر هذه المرة –ما يسمى بالعقلية الآخذة في النمو-. استخدام الإصرار في وجه العوائق واستخدام الفشل في اكتشاف وتعلم أشياء جديدة؛ سواء كان داخلياً عن المرء نفسه، أو خارجياً عن موضوع الدراسة، هما بلا شك مهارتين وجب علينا زرعها في الأجيال الناشئة. إن العلوم والرياضيات مرتبطة بشكل ما بالنواحي الأدبية، فالعلوم والرياضيات تعطي  رؤية أعمق لكيفية عمل العالم من حولنا ومنهجية للفنون والآداب، وبالتالي يجب علينا تنمية مهاراتنا بها. 

عندما يدرك الطالب أن حتى “آينشتاين” عانى في سبيل نتائجه البحثية وتطلب منه الأمر الكثير من العزيمة، إلى جانب ظروفه الصعبة في ظل هروبه من ألمانيا النازية، أو أن “داروين” وجد نفسه بطئ التعلم للرياضيات، أو عن ظروف نشأة “زويل” الصعبة، فإنه يكون نوع من أنواع الصلة الإنسانية بهؤلاء العلماء، و يبدأ في رؤية نفسه كإنسان متفرد وجزء من كل، في نفس الوقت. مما يجعلنا نؤمن بأهمية سرد تلك القصص على فئات عمرية مختلفة في المنظمة التعليمية. فكما نحاول أن نجعل تعلم الرياضيات والعلوم ممتع بقدر المستطاع لطلاب المرحلة الأساسية في المنظومة التعليمية، عن طريق إجراء التجارب العلمية بأمتع الطرق الممكنة أو عن طريق الوسائل التعليمية لمادة الرياضيات المثيرة لاهتمام الأطفال في تلك المرحلة، يتحتم علينا المحاولة لجعل الأمر ممتعاً وأكثر دعوة للانغماس فيه لباقي الفئات العمرية والمراحل التعليمية. و يجب أن تكون على شكل سياسة أو منهجية في التعليم لهذه المواد الدراسية في مختلف المراحل التعليمية. حتى يمكننا أن نلحظ تغيراً في معتقدات الطلاب عن الذكاء أو النجاح والفشل أو المتطلبات التي يجب وجودها من أجل الاهتمام والتوغل في تلك المجالات. إن الدراسة الميدانية السابق ذكرها لم تثبت التغيير في معتقدات الطلاب المغلوطة عن الذكاء والنجاح والفشل، و نعزي ذلك لقصر مدة الدراسة، حيث دامت حوالي 6 أسابيع فقط، ولكنها أثرت بشكل كبير على تغيير سلوك الطلاب نحو التعلم والنظر إلى الفشل على أنه فرصة جديدة للمثابرة ولتعلم طرق جديدة. تلك المبادرة المدعو إليها في هذا المقال، أهدافها خلق اتجاه يركز على التعلم ويرحب بالتحديات الممكنة في سبيل ذلك، و تعديل رد الفعل على الفشل من العجز إلى  المثابرة مرة أخرى وبذل مجهود أكثر من أجل الوصول للنتائج المرغوب فيها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s