الاستراتيجيات القائمة على البحوث لمساعدة الأطفال على تطوير الرقابة الذاتية – مدونة خوجة

marshmallow1

Mind Shift

Read Original Article

بقلم كاترينا شوارتز – 11 من يناير لعام 2016 | قام بترجمة المقال: المهندس خالد جرار

بدا كل شيء عندما كان بروفيسور علم النفس البروفيسور والتر ميشيل يراقب بناته الأربع المتقاربات في السن يكبرن، وقال انه يدرك انه ليس لديه فكرة عما يجري في أدمغتهن التي جعلت من الممكن للطفلة التي في لحظه ما لم تكن تملك السيطرة على رغباتها اللحظية، أن تتمكن بعد بضعة أشهر فقط من السيطرة على  انفعالاتها، وانتظار حصول الأحداث، وخوض المحادثات مع الآخرين. استُثير فضول البروفيسور لمراقبة كيفية تطور تلك المهارات عند الاطفال، مما أدى به لصياغة اختبار (حلوى) المارشميلو الشهير الذي أجراه في مدرسة Bing Nursery في جامعة ستانفورد التي يعمل ميشيل مدرّساً فيها.

اشتهرت هذه الدراسة علي مدى السنوات الخمسين الماضية، مما أدى إلى العديد من مقاطع الفيديو المضحكة جداً على اليوتيوب (ليس شيءٌ منها يمثّل التجربة الأصلية) كم أدت إلى عمل طال مدى حياته في دراسة مختلف الاستراتيجيات التي يمكن أن تساعد الكبار والأطفال على حد سواء على تأخير الإنصياع لميولهم في إشباع رغباتهم.

في دراسة المارشميلو الأصلية، أمضت الباحثات وقتاً معتبراً في بناء علاقة طيبة مع الأطفال البالغين من العمر 4 سنوات وتوطيد ثقة كل طفل بهن قبل البدء في التجربة. وتكون الخطوة التالية بأن تخبر الباحثة الطفل بأنها ستتركه في الغرفة وحيداً بصحبة حلوى (بسكويت، أو كعك، أو مارشميلو) وأنه لو صبر عن أكلها حتى تعود فستمنحه قطعتين من المارشميلو بدلها. كما تمنح الباحثة الطفل خياراً آخر، فبإمكانه إنهاء معاناته من خلال قرع الجرس، في تلك الحالة تعود الباحثة للغرفة، إلا أن الطفل يحصل حينها على قطعة حلوى واحدةٍ فقط. 

ميشيل وزملاؤه راقبوا الأطفال الذين خاضوا التجربة، قرابة 50 سنة بعد انتهائها، واكتشفوا أن أولئك الذين تمكنوا من الانتظار، حققوا نتائج أفضل في الحياة في مناحٍ عدة، منها علامات أعلى في امتحان SAT الأكاديمي، وإمكانيات أفضل في التعامل مع الضغوطات، ومعدلات  أخفض لمؤشر كتلة الجسم BMI.

“مجرد وجود الرغبة في تأخير إشباع الرغبات، يتطلب وجود ثقة في المقابِل وبناء توقُّعات عليه، الأمر الذي لا يتوفر غالباً عند الاطفال الذين يجدون صعوبة شديدة في السيطرة على الذات وفي تأخير الإشباع.”

“واحد من أهم المحدِّدات للخيارات التي يتخذها الطفل في مثل هذه المواقف، هو الثقة”، وِفقاً لميشيل في مؤتمر التعلم والعقل (Learning and Brain) في مدينة بوستون.

يعمل ميشيل الآن كمدرّس لعلم النفس في جامعة كولومبيا. المنتقدون لعمله يشيرون عادةً إلى أن الاطفال القادمين من فئات منخفضة الدخل، والذين يعاني العديد منهم من التمييز أو عدم الاحترام في المجتمع، لا يتوفر لديهم دافع للثقة في أولئك الذين هم في موقع السلطة.  من الممكن أن يُقدِم هؤلاء الأطفال على التهام الحلوى لا لعدم قدرتهم على ضبط النفس ولكن لأنه لا يتوفر عندهم سبب كافٍ ليثقوا في أن الباحثة تقول الحقيقة بخصوص وجود قطعة مارشميلو أخرى.

يُقرّ ميشيل أن وضع عامل الثقة بين الطفل والباحث موضع الاعتبار مسألة كثيرا ما تمَ تجاوُزها في تناول اختباراته.  لقد بدأ دراسة هذا الجانب في البدايات الأولى لعمله.

“مجرد وجود الرغبة في تأخير إشباع الرغبات، يتطلب وجود ثقة في الشخص المقابِل وبناء توقُّعات عليه، الأمر الذي لا يتوفر غالباً عند الاطفال الذين يجدون صعوبة شديدة في السيطرة على الذات وفي تأخير الإشباع.” صرّح ميشيل. فبالنسبة للاطفال الذين يعيشون واقعاً من عدم الاستقرار يصعب التنبؤ فيه بمُجريات الأمور، ربما يكون اختبار المارشميلو بالنسبة لهم اختباراً لثقتهم في السلطة تماما بقدر ما هو اختبار للقدرة على ضبط النفس.

لكن بغض النظر عن تفاصيل اختبار المارشميلو، عززت دراسات الكثير من الباحثين قيمة ضبط النفس في تحقيق نتائج إيجابية في الحياة.  لذلك يحاول ميشيل نقل تركيز المتحاورِين إلى جزئية بناء استراتيجيات يستعملها التربويّون والأهالي لمساعدة أطفالهم على بناء قدرات ضبط النفس.

“تم قياس تأثير قيمة ضبط النفس في العديد من الدراسات طويلة الأمد (Studies Longitudinal) وِفقاً لـ روي بوميستر (Roy Bumeister) أخصائي علم النفس في جامعة فلوريدا (Florida State University) حيث يَدرُس ضبط النفس والذي ساهم في نقض نظرية سابقة تقول أن الثقة بالنفس (Self Esteem) هي أساس النجاح الأكاديمي.

ضبط النفس هو القدرة على تجاوز الدوافع اللحظية والمشاعر، ومن الملاحَظ أن الأشخاص الذين يتمتعون بهذه الصفة يحققون نتائج أفضل في الدراسة والعمل. يقول بوميستر أن الدراسات تُظهر أن الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة عالية من ضبط النفس يحظون بعلاقات أفضل، ويعيشون حياة أكثر سعادة إجمالاً، ويعانون من الضغوطات بشكل أقل، وضعهم الصحي أفضل، وكذلك صحتهم العقلية والنفسية، كما أنهم يعيشون لفترات أطول.

لقد ساهمت جهود بوميستر البحثية أيضاً في توضيح حقيقة أن خاصية ضبط النفس تشبه العضلة، يمكن تقويتها بالتمرين، إلا أنها معرضة للتعب أيضا في ذات الوقت. “لديك مورد واحد هو قوة الإرادة، وبوسعك إنفاقه في نواح متعددة” كما وضح بوميستر في موتمر التعلم والعقل (Learning and the Brain).

فإذا استنفذ طفل كل قوة إرادته في السيطرة على مشاعره، فلربما يؤدي ذلك لتراجع أدائه بشكل واضح في ناحية ضبط النفس أثناء تنفيذ المهام المختلفة. بالإضافة لذلك، فاتخاذ القرارات، والمساومة، تستعمل نفس مخزون قوة الإرادة. حين يستنفذ الناس طاقتهم تلك، فهم عرضة بشكل أكبر للرجوع لعاداتهم القديمة، ويكونون أقل استعدادا للمساومة، وتزداد احتمالية اندفاعهم وراء رغباتهم اللحظية، كما تنخفض لديهم احتمالية منح الثقة للآخرين.

مع معرفة أهمية ضبط النفس في تحصيل نتائج إيجابية، إلى جانب إدراك كون الأطفال واقعين تحت ضغط المطالبة بتطبيق عدة أشكال من ضبط النفس بشكل دائم، كيف يمكن للتربويين مساعدة الطلاب على بناء عضلات ضبط النفس الخاصة بهم بحيث لا تتعب بسرعة؟

استراتيجيات تأخير الإشباع

يقول ميشيل أن نتائج دراسته للتكتيكات المناسبة للأطفال في عمر الرابعة والخامسة، تنطبق بذات الدرجة من الصحة على البالغين أيضاً. أحد أقوى هذه الأساليب هو الإلهاء الذاتي. خلال اختبار المارشميلو، يجلس الأطفال في الغرفة وحدهم أمام إغراء المارشميلو، فيغنّون لأنفسهم أو يتخيلون أنهم في مكان آخر.

الشيء الجوهري هو جعْلُ العاقبة الإيجابية الآجلة أكثر جلاءً، وأكثر كمالاً، وذات ارتباط منطقي أشد ظهوراً، وفي ذات الوقت جعْلُ المكسب اللحظي أقل حضوراً وجاذبية (Hot) في ذهن الطالب.”

“إنه إلهاءٌ ذاتيٌ هادفٌ له نتائج تنفيذية فورية” حسب قول ميشيل. “لديهم الهدف حاضراً في أذهانهم. فهم يثبّطون ردود أفعالهم اللحظية بشكل مستمر. يمنعون أيديهم من الامتداد لتصل للحلوى وتأخذها.”

استراتيجية أخرى معروفة يستخدمها الأطفال هي الإبعاد الذاتي (Self-Distancing). يصف ميشيل تصرف أحد الأطفال إذ يلتقط الجرس المخصص لاستدعاء الباحثة، ويدفعه بحذر شديد إلى الحافة البعيدة للطاولة، لأكثر الأماكن بُعداً عنه. ادّعى أطفال آخرون كأن المارشميلو مجرد صورة عِوضاً عن كونها حلوى حقيقية، جاعلين منها في نظرهم هدفاً أقل جاذبية. عمل ميشيل حتى مع برنامج “افتح يا سمسم” في فقرة هزلية لوحش الكعك “كعكي” تُري الأطفال ثمرة الانتظار.

وبينما تعرضت تجربة المارشميلو الأصلية لانتقادات حادة لصغر حجم العينة موضع البحث وتجانسها (كل الاطفال كانوا أبناء طاقم التدريس في جامعة ستانفورد أو أبناء طلبة الدراسات العليا فيها)، استمر ميشيل في دراسات تأخير الإشباع مع طلاب من منطقة South Bronx أعطت النتائج ذاتها. وقال أن النقاط الجوهرية هنا هي إبقاء الهدف حاضراً في الذهن، لكبت ردود الأفعال اللحظية ومراقبة التقدم الحاصل في الوصول إلى ذلك الهدف.

كل الناس عندهم ما يصفه ميشيل بـ “نظام حار” و”نظام هادئ”، كل منهما في بالغ الأهمية. النظام الحار هو حيث تنبع ظاهرة: قاتِل-أو-اهرب. وهو نظام عاطفي، بسيط، يطلقه التوتر، يحفز ردود الأفعال، سريع، متركّز في اللوزة المخّيّة (The Amyglada) ومرتبط بالجهاز الحوفي (Limbic System). هذا النظام غاية في الضرورة للنجاة من المخاطر، وينمو في سن مبكرة جدا من عمر الإنسان. حينما ينشط النظام الحار، يثبّط النظام الهادئ. يشير ميشيل إلى أن معظم الاطفال الذين يعيشون ظروفاً قاسيةً مجبرون على استخدام نظامهم الحار أغلب الوقت.

النظام الهادئ إدراكي، معقّد، تأمُّليّ وبطيء. وهو متمركز في الفص الاماميّ وفي “قرن آمون” (Hippocampus)، كما أنه ينمو في مرحلة لاحقة من عمر الإنسان. التوتر يوهن هذا النظام ويثبّطه، وهو بالغ الضرورة من أجل ضبط النفس. يعمل النظامان لغرضين متعاكسين، إلا أن كليهما ضروري للنجاة والنجاح.

حين يتعلق الأمر بمساعدة الطلاب على تأخير الإشباع وبالتالي العمل على ضبط النفس، يقول ميشيل أن تجاربه تُظهر كيف أن “عليك أن تخفض من جاذبية (الآن) وتزيد من جاذبية (لاحقاً).” بكلمات أخرى، الأشياء الفورية تحفز النظام الحار، بينما يتطلب تأخير الإشباع عمل النظام الهادئ. لذا، حين نحاول أن ندفع الطلاب لرؤية فائدة العمل بجدّ طوال سنين المدرسة لكي يتمكنوا من دخول كلية جيدة، فعلى التربويين مساعدة الطلاب على النظر إلى العاقبة المتأخرة على أنها جذابة وحاضرة في الذهن (Hot).

“الشيء الجوهري هو جعْلُ العاقبة الإيجابية الآجلة أكثر جلاءً، أكثر كمالاً، ذات ارتباط منطقي أشد ظهوراً، وفي ذات الوقت جعْلُ المكسب اللحظي أقل جاذبية وحضوراً (Hot)،” وِفقاً لميشيل. حين يكون الأطفال متوترين، من الصعب جداً عليهم إبقاء الأهداف طويلة الأمد حاضرة في ذهنهم لأنهم بشكل مستمر يعملون وفق النظام الحار الذي يطلقه التوتر.

ميشيل لديه تجربة شخصية مع الاستراتيجيات التي يوصي بها. فقد اعتاد تدخين ثلاث علب من السجائر خلال النهار، بالإضافة إلى غليون غالباً أثناء الليل. كان يعلم أن التدخين ضارّ بصحته، لكن هذا لم يكن كافياً لجعل العواقب تبدو حقيقية. يوماً ما، رأى رجلاً في مستشفى ستانفورد يتجهز للتعرض للعلاج الإشعاعيّ. “تلك الصورة هي ما مكنني من جعل العاقبة المتأخرة حاضرة حية (Hot)”، يقول ميشيل. “كل مرة مددت يدي لآخذ سيجارة، تذكرت تلك الصورة.” وبذلك تمكن من ترك التدخين باستعمال تلك الصورة الخاصة لمساعدته على تأخير الإشباع.

يقترح ميشيل أن التربويين الراغبين بمساعدة الطلاب على تطوير قدراتهم في ضبط النفس، عليهم بذل الوقت لمساعدة الاطفال على تحديد الأشياء “الحاضرة” الخاصة بهم وتطوير استراتيجيات لتوظيفها.  على سبيل المثال، إذا علم الطالب أن الرسائل النصية القادمة من أصدقائه تشتت انتباهه عن أداء الواجب المدرسي، فعليه إذاً أن يطفئ هاتفه حين يكون محتاجاً للتركيز. هذه خطة مسبقة من ثنائية “إذا\ إذاً” مبنية على نقاط تحفيز محددة. لكن لصياغة تلك الخطة، لا بد للطلاب من معرفة ما هي الـ “إذا”.

“تُظهر الأبحاث بشكل شديد الوضوح أن العقل البشري قابل للتعلّم بشكل أكبر بكثير مما كان يسود الاعتقاد به،” صرّح ميشيل. وهو يرى هذا النوع من صياغة الخريطة الخاصة بكل شخص عنصراً محورياً في تطوير الذكاء العاطفي لكل شخص وطريقاً يقوده نحو قدر أكبر بكثير من الحرية والخيارات والفاعلية في أي محيط يكون فيه.  بدلاً من أن يتخذ الأطفال قرارات تقودها الغزيرة الفطرية، بإمكانهم تعلم اتخاذ قرارات يعتقدون أنها ستنفعهم على المدى الطويل.

“لسنا نريد تدريب أطفالنا على إطفاء حرارة مشاعرهم، إلا أننا نريد فقط منهم أن يكونوا أصحاب قرار حر”، أضاف ميشيل.

صغار السن يُظهرون تحسنا في قدرتهم على تأخير الإشباع وضبط النفس، وِفقاً لما يقوله ميشيل.  ويشير إلى أنه كما أن مستويات الذكاء آخذة في الإرتفاع منذ 60 سنة، تتصاعد أيضاً كذلك تلك الخصائص ضمن نفس النسق.  ويعزو هذه التغيرات إلى التكنولوجيا، فهو متحمس بصورة خاصة حيال ألعاب الفيديو، والتي يقول أنها تتطلب تحديد هدف، وكبت ردود الأفعال التي تتضارب مع تحقيقه واستخدام آليات السيطرة على التركيز للوصول إلى ذلك الهدف.

“ربما تكون مشتِّتة عن أداء واجباتهم في الرياضيات، إلا أن الألعاب في ذات نفسها يمكن أن تكون أدوات ذات فائدة كبيرة في تطوير المهارات التنفيذية” كما قال ميشيل.

في نهاية المطاف، يؤمن ميشيل أن التربويين إذا ما وجدوا وسائل فعّالة لاستخدام بحوثه في الصفوف المدرسية، فسيتمكنون من تطوير الحافز الداخلي للطلاب على التعلم، الأمر الذي لا يمكن عزله عن كفاءة الطالب في تحقيق أهدافه.

مصدر الصورة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s