كيف يختلف التعليم المنزلي عن التعليم اللامدرسي؟ (2-2) – مدونة خوجة

Children at School

هذا المقال هو الجزء الثاني من مقالين عن التعليم المنزلي والتعليم اللامدرسي
يمكنك قراءة الجزء الأول هنا

التعليم المنزلي، والذي تتمركز فيه العملية التعليمية حول الطفل ذاته أو المتعلّم نفسه لا المناهج أو الاختبارات، فقد أدّت عوامل كثيرة لظهور مثل هذا المفهوم في مجتمعاتنا العربية تحديداً واهم هذه العوامل هو تدنّي مستوى المخرجات التعليمية في النظام الإلزامي التقليدي وعدم ملائمتها لمتطلبات سوق العمل المتنامي في عصرنا هذا وبالتالي ارتفاع نسب البطالة وهو الأمر الذي كان وما زال يحدث خللاً كبيراً ويدق ناقوس الخطر نحو المنطومة التعليمية لانفصال ما تقدمه من مناهج عن حاجات السوق المحلي والعالمي جملةً وتفصيلاً.

بشكل جلي، تقوم فكرة التعليم المنزلي على استبدال وجود المعلم في المدرسة بوجود الآباء والأمهات في البيت، بحيث تتمحور فكرة التعليم المنزلي حول الطالب المتعلّم وحده والذي يتحمل والديه المسؤولية كاملةً في صياغة نظام تعليمي جديد له مكتمل العناصر على غرار العادة في التعليم اللامدرسي.

الحقائق التالية تخبرنا أكثر عن مزايا التعليم المنزلي لتتضح لنا فكرته جليّاً:

أ. النظام في التعليم المنزلي مرن ولا يأتي على شكل قالب ثابت:
أي أن الوالدين لهما كامل الصلاحية بتكييف وموائمة عملية التعليم بما يناسب الأطفال، حيث أن التعليم المنزلي أسلوب حياة ومنهج كامل قائم على الإيمان بقدرات الأطفال وإمكانياتهم وتقبّل الاختلافات الفردية بينهم ومراعاة الفوارق الخاصة بكل منهم، وهذا يحتّم اتباع الأسلوب الأنسب مع كل طفل مما يزيد المسؤولية على الوالدين ودورهما الأساسي في العملية كاملة.

ب. التعليم المنزلي قد يرتكز على الدراسات الاكاديمية والمناهج التعليمية بالإضافة إلى الإنخراط في خبرات حياتية أخرى تصقل شخصيات الأطفال المتعلمين وتساعدهم على التخطيط لحياتهم والوصول إلى أهدافهم الخاصة، حيثُ يقوم الوالدين بتوفير المواد والكتب الخاصة وكل ما يحتاجونه أطفالهم في رحلتهم ويحرصون على زيارة الأماكن المتنوعة كالمكتبات والمتاحف والأماكن التعليمية والترفيهية مما يعمل على تعزيز نظرتهم إلى الحياة وإلى المواقف التي يتعرضون لها باستمرار، فهم ينطرون لها من زوايا مختلفة ويدرسونها بتعمق وبأسلوب مختلف تماماً عن ذلك المتبع في النظام التقليدي لدى طلاب المدارس؛ إذ يمرّ الأطفال بتجارب عدة يتعلموا من خلالها فهم ما يدرسونه بشكل متفرد ومميز.

كما تعد الحرية في اختيار الملائم من أدوات التعلم في النظام المنزلي هي مفتاح آخر من مفاتيح النجاح في هذا النظام؛ فيختار الأطفال الأدوات والمواد التي يفضلونها فيستمتعون بعملية التعلم بدوافع ذاتية تشجعهم وتحفزهم على إنجاز المزيد من النجاحات خصوصاً إذا تم دمج التكنولوجيا في العملية التعليمية عبر أهم منافذ التعليم المنزلي وهي شبكة الإنترنت.

ولا يمكن القول أن نظام التعليم المنزلي لا يعتمد على كتب دراسية أو مناهج تعليمية بالمطلق، فقد يلتزم الآباء مع أبنائهم بمنهج معتمد رسمياً في مادة معينة كالرياضيات مثلاً أو اللغة العربية خصوصاً إن كانوا في مراحل متقدمة وليسوا أطفالاً صغاراً، وبالمقابل يستعيض الآباء بمواد أخرى يتم اختيارها حسب موافقتها لخطتهم العامة في تعليم أبنائهم أو يقومون باستخدام الكتب التدريبية بمستويات مختلفة مع أطفالهم إلى أن يكبروا.

والخلاصة تكمن في أن الأمر برمته متوقف على ما يناسب الأسلوب المنتقى للطفل من قبل والديه بناءاً على مهاراته وقدراته الفردية وما يثير اهتمامه. يتم وضع أهداف في الخطة العامة من قبل الأبوين ومن ثم تتحدد معايير النجاح والتقييمات تبعاً للجهود المبذولة في تحقيق الأهداف الموضوعة مسبقاً بدلاً من أسلوب الإختبارات الممل والذي لا يؤتي أكله البتّة في عصرنا اليوم.

ج. في التعليم المنزلي يتعلم الطفل كيف يكون شخصاً اجتماعيا بطريقة غير تقليدية: حيث أن الشائع عن الأطفال الذين يدرسون منزلياً أنهم غير اجتماعيين ويفتقدوا لمهارات الإتصال وذلك لانفصالهم عن أقرانهم وعزلتهم المفروضة عليهم بحكم نظام التعليم المنزلي.

وهذا بالطبع من إحدى الأساطير الخاطئة تماماً عن التعليم المنزلي، لأنه سيكون بإمكان الأطفال أن يشاركوا تجاربهم الجديدة في تعليمهم الجديد مع زملائهم وليس فقط أقرانهم من نفس العمر فقط، وأن ينظم الآباء لقاءات جماعية أو مجموعات تعاونية بينهم وبين غيرهم من أولياء الأمور الذين يسلكون النظام نفسه مع أولادهم، فيلتقي الأطفال من جميع الأعمار والاهتمامات ليتبادلوا المعرفة والخبرة وينمجوا بمجتمعات مختلفة أخرى.

وفي مثل تلك التجمعات يتعلم الأطفال مهارات مثل التفكير الإبداعي ومهارات الحوار والتفاعل واكتساب صداقات جديدة وبناء علاقات بناءة مع غيرهم من الأشخاص من مختلف الأعراق والأعمار والأجناس والاهتمامات والهوايات، والمشاركة في حضور العروض الخاصة في الفنون وممارسة الأنشطة الرياضية على اختلافها وتكوين فرق من كل أسرة والتخطيط لرحلات ميدانية، بل ويمكنهم الإنضمام إلى إحدى الفرق المحلية التي تركز على اهتمام معين ضمن اهتمامات الأطفال كالفرق الرياضية أو فرق لتعلم الرسم أو الموسيقى مثلاً أو معاهد تعليم اللغات لتطوير مهاراتهم اللغوية.

كل هذا سيتيح للمتعلمين منزلياً أن يكتسبوا مهارات اجتماعية وتفاعلية لن يتمكن طلاب المدرسة العاديين تعلمها في إطار المدرسة التقليدي، وسيصبح الأطفال أكثر قدرة على اكتساب مهارات الإتصال والتعايش مع أشخاص مختلفين من مجتمعات واهتمامات منوعة والتكيّف معهم واحترامهم وتقبّل ثقافاتهم وأفكارهم، وهذا لا يشبه الأنشطة التقليدية وغير الفعالة التي يقومون بها الطلاب في المدرسة. يتمتع النظام المنزلي بمرونة عالية تستوعب جميع الخيارات التي يمكن للآباء والأمهات تعديلها واتباعها في طريقة التعليم.

د. التعليم المنزلي يتطلب آباء مؤهلين بعكس التعليم اللامدرسي والذي تتقلص فيه مسؤولية الوالدين، حيث تمثل أهلية الوالدين لتدريس أبنائهم عصب عملية التعليم المنزلي كونهما المسؤولان الرئيسيان عن متابعة تعلم الأطفال. بينما نجد في التعليم اللامدرسي أن أهلية الوالدين لا تمثل ذلك العائق الكبير، وذلك لأن الدور الكبير في التوجيه يتوزع على أشخاص ومصادر مختلفة ما بين مدربين خصوصيين ومختصين ومصادر تعليمية أخرى لا يحتاج الطفل أو المتعلّم فيها لموجّه بحكم مرونة التعليم اللامدرسي واستيعابه لمثل تلك الخيارات وغيرها.

في الختام، ليس هذا ليس كل شيء عن التعليم المنزلي واللامدرسي بالطبع، إلا أننا وبعد استعراض أهم السمات لكل من النظامين أردنا أن يصبح بإمكاننا تمييز العلاقة بين هذين المفهومين بشكل واضح لنعرف أن النظام  اللامدرسيّ هو في حقيقته جزء لا يتجزأ من منظومة التعليم المنزلي، والذي تقوم فكرته وفحواه على صناعة الإنسان منذ نعومة أظفاره وصقل شخصيته ومهاراته وإعداده ليكون شخصاُ ناضجاً وأكثر قدرة على إدارة شؤون حياته بشتّى الوسائل والطرق وباللجوء إلى كل الحلول المتاحة والتي من شأنها أن تعزز قدرات المتعلمين وتحترمها ما دامت هذه الحلول ممكنة.

وبهذا سيتمتع الطفل حين يكبر بالكفاءة اللازمة لتحقيق معايير النجاح في حياته بما يتوائم وحاجات العصر ومعطيات سوق العمل، كخيار بديل وفعال بنسبة كبيرة عوضاً عن مخرجات التعليم التقليدي التي يتم تحضيرها لعالم لا وجود له في عالمنا المتسارع اليوم بكل تأكيد.

كاتبة المقال:

أ.دانية سمحان (حساب الكاتبة علي تويتر / لينكدإن)

المصادر:

مصدر 1 ، مصدر 2 ، مصدر 3 ، مصدر 4 ، مصدر 5 ، مصدر 6

مراجع للاستزادة:

مرجع 1 ، مرجع 2 ، مرجع 3 ، مرجع 4 ، مرجع 5 ، مرجع 6 ، مرجع 7 ، مرجع 8 ، مرجع 9

مصادر الصور:

Google Images

flickr.com / License

Getty Images

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s